الجواد الكاظمي

145

مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام

التّحريم أيضا أو لارتكاب الإثم ، والأوّل باطل لأنّهم سألوا النّبيّ صلى اللَّه عليه وآله أن أفتنا في الخمر وغرضهم بيان تحريمها فنزلت ، وذلك يقتضي ظهورها في التّحريم والَّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو باطل كما ثبت في محلَّه . ثمّ قالا : ودعا عبد الرّحمن بن عوف أناسا منهم فشربوا وسكروا وأمّ أحدهم فقرء أعبد ما تعبدون فنزلت « لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى » فقل من يشربها . ولا يخفى أنّ السّابقة أدل على التّحريم من هذه الآية فترك الأكثر الشّرب لهذه دون سابقتها نظرا إلى عدم الفهم منها بعيد . ثمّ قالا : ودعا عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبي وقّاص فلمّا سكروا افتخروا وتناشدوا حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاريّ بلحى بعير فشجّه موضحة فشكى إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فقال عمر : اللَّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت : « إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ والأَنْصابُ » إلى قوله : « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » فقال عمر : انتهينا يا رب . ولا يذهب عليك انّ عمر مع ورود هذه الآيات وارتداع جماعة من الصّحابة عن الشّراب بعد ورود كلّ آية لم يرتدع واستمرّ على شربها مع سماع الأجوبة إلى آخر آية نزلت في ذلك وهو يعطي قلَّة خوفه من اللَّه تعالى حال حياة النّبيّ صلى اللَّه عليه وآله ونقل في الكشاف عن علي عليه السّلام ( 1 ) لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذّن عليها ولو وقعت في البحر ثم جفّ ونبت فيه الكلاء لم أرعه . وعن ابن عمر : لو أدخلت إصبعي فيه لم تتبعني يعنى قطعها . ثم قال : وهذا هو الايمان حقا وهم الَّذين اتّقوا اللَّه حقّ تقاته ، والظَّاهر انّه يريد وصف علىّ عليه السّلام وابن عمر بالايمان الكامل إذ رجوع كلامه إلى الجميع بعيد ويلزم منه عدم الايمان في غيرهما وكفى به شاهدا على عدم الايمان في صاحبيه .

--> ( 1 ) انظر كنز العرفان : ج 2 ، ص 305 واللفظ فيه : ( ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه لم أرعه ) . وفي الكشاف . ج 1 ، ص 260 مثل ما في الكتاب ، ولم أجده في الشاف الكاف . وفي زبدة البيان ج 1 ، ص 630 .